هنا مدخل إلى ينبوع الروح.. لا يمرر غير من تقبل الاختلاف

الاثنين، 8 أكتوبر 2012

مع الآيات


بالأمس كنا هنا.. كنت مثقلة بغبار الأمل الساذج وبعض هداياه..
الليلة أنا هنا وحدي، عارية وخفيفة حد التخبط مع كل نسمة..
ليس معي سواكِ يا آية..
ومعي رجل يشبهه في كل تفاصيله، أرافقه فقط لأنه يشبهه.. أبحث عنه فيه، فيخبرني أنه لم يعد هنا.
آية تقول لي ربما لم يكن موجودًا أصلاً..
لا أرغب في تصديق أنه كان وهمًا خططته بيدي، كيتيم رسم أمًا على الحائط وحضنها.
أنا مرهقة جدًا يا آية..
أخبريه أن الأخرى التي تلامسه دون استراق تأتيني في المنامات، تتبسّم لي بوداعة وتقول إنها مع اكتمال القمر تستذأب.. 
كيف أخبره أني لا أريد لبدره التمام؟! أنا لا أجرؤ على إخباره، لا أجرؤ أن أقول له بأن همومه لم تعد تشفع له عندي؛ خشيت أن أقول فيرحل ولا يهديني الأغنية ولا يقبلني بمحاذاة البحر..
أن تنحصر أحلامي في أغنية مهداة وقبلة ولحظات مع البحر، فأنا أتجوف جدًا يا آية.
لقد خذلتك في اختياري الذي انتظرتيه طويلاً.. أرغب في تقديم اعتذار يليق بكِ، ولا أقدر.
أخبريه يا آية كيف أنضح به وأنا معك.. حدثيه عن اتساع الحفر التي خلفتها خطواته الراحلة، وعن قلب مشوّه وأصداء أغنيات كنت قد رتبتها لقائمة الزفاف، عن صلوات أقمتها لأستجديه من القدر ولم تُجَب..
ربما إذا عرف فهم معنى بحيرة الدمع التي تغرقه كلما التقينا.. ربما يعرف معنى احتراقي المتكرر دون سبب، فيعذرني.
يا آية.. أخبريه الحقيقة.. أخبريه أني ميتة، وردّي إليه ما ترك، فكلمة حب (كثيرًا ما استجديتها) وشيء من ندمه، وصورة لنا معًا، أمور- على عظمتها- لن تجبر قلبًا كسره الهجر..
فقط كسورات جديدة ستنسيني إياه؛ أنا أبحث في أوجاعِك علّي أنساه.
يا آية أخرجيني منه ربما أبدأني من جديد، أو حتى أرقص بمحاذاة الأمل.
..........
وعسى بذلك أمنحه فرصة ليحييني من جديد..

لا فائدة.. فأنا أتعطش إلى الخلاص قدر تعطشي إلى الوصول إليه.

الاثنين، 17 سبتمبر 2012

عن رجل افتراضي غير قابل للنسيان




هل تعرف كم مرة قصصت شعري لأتخلص منك؟ أي لون طلاء أظافر سيخفيك تحته؟ هل يتوجّب عليّ لبس الكعب العالي لأبدو غير مبالية؟ هكذا تنزلق فقراتي واحدة بعد الأخرى.. أنزلق إلى أعمق ما فيك، ولا آخر لك...
بسذاجة الأطفال انتظرت هدية الأقدار بينما كنت ترسم سبيلاً للخلاص.
أنا متعبة بك وبدونك
(كل ما أحقق حلم حلمته معاك أفتكر إني كدة خلاص هقدر أبعِد، ألاقي حلم تاني بيساومني على أقراص الدوا).
مع آخر هدية أتيت لك بها فككت الشريط الأحمر من عليها ولففته على رأسي لتهديني لآخر لن أكون له.. فقط سأدفنك لديه وأرحل..
أنت تغلّف مشاعري لتكون لرجل لا يخصني.. ربما يخص أخرى أحبته وخذلها.
(عارف إن انت الراجل الوحيد اللي أخد من وقتي وتفكيري ولفي ف الشوارع عشان أجيبلك هدية تبهجك ولو ساعة؟!).
لم أقصد أبدًا البحث عنك؛ كنت أبحث عن أمان أوقن أنه لدى أحدهم..
الكون ليس بالمكان الآمن؛ البيت مهدد بالسقوط، والموت يحوم بين المحبين، والعمل قادر على خلق وجه جديد لي، حتى الشارع أمشي فيه دون حيّزٍ آمن.. ولمّا أتيتك أهديتني خوفًا جديدًا.. عرفت أني كنت أفتّش عن الأمان داخل العرين.
(حكيتلك يوم ما اتعرّضت لحادثة تحرّش؟! أنا ماكنتش محتاجة مساعدة من حد، أنا بس كنت عاوزة أحس انك جنبي وتقولي ماتسيبيش حقك).
كلانا الآن خائف تمامًا، من أصغر الأمور.. أنت خائف حتى من لقاء رفاقي؛ سيروون لك عن ضيق القوقعة التي حبستني عنهم داخلها.. سيروون لك عن حجم خذلانهم لاختياري الذي انتظروه طويلاً..
أنا هشّةُ جدًا وأثقل من أن أتكئ عليَّ
أتدرك معنى أن أكون لآخر؟!
سأكون ببيته كل مساء، وسيراني في أشكال لم ترني فيها حتى المرآة.. وحده سيعرف طول شعري الجاف وطوله مبتلاً، وسأحرص على رضائه قبل أن ينام وأكوي له ملابسه.. سأطلب منه المال والأحاسيس الجديدة والدواء.. ومشاهدة الأفلام التي تعجبني.. سيدعني أصنع له وريثه..
وربما في ليلة رأس السنة يأتيني بثوب أحمر فاضح.. هل تتقبل الأمر؟! نعم؟!
هل تعرف أني سألمّع له أحذيته وأشتري له بُرْنُس الحمّام وأنظف له السمك؟
هل تفهم الآن؟ لا زلت تتقبل الأمر؟!
ماذا يكون ما بيننا إذن؟ أم أن خللاً ما تطلب أن يصيب طبيعتنا الإنسانية؟!
أنا أشتاق إلى نسيانك قدر اشتياقي إلى قُبْلتنا الأولى
لم أنسَ أنك من رمى الحجر الأول في ماء قلبي الراكد..
لم أنسَ أنك من بدأ بالأسئلة التي كانت دينامو الروح ووقود الأمل..
وأنك من بدأ برسم الأطر الأولى للحنين ورمى أساس الـ"حدوتة"..
ودون وعي وضعتني على فوّهة البركان.. ورحلت.
وفي صخب دنياك الجديدة لم تستمع للكسورات التي خلّفتها وراءك.
(امبارح حلمت إن بنت صغيرة تشبه الأرض ولدت مولود في حجم الفار، وكان مشوّه، وخبيّناه عن الناس).
كيف هو جنين قصتنا؟!
!!!!!!!!!!!
أنا أستجدي الغياب
وأستجدي الأشياء لتمنحني شيئًا من حِضنك
الغياب موجع كموت الخيال..
أو كانتظار الموت كملاذ أخير أعرف أنه لن يكون النهاية..

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

اهو رغي

مع نغمة "خليتني أخاف لما بحس بخطوتك وخداك بعيد" تتساقط دمعات تترك آثارها حفرًا على جدار الروح.
البسمة الصفراء توجع الوجه.. يقولون "الوجه عنوان الروح".. بعضهم احترف اللعب بالوجوه (فوتوشوب) حاولت تعلم ذلك، لعبت بالصوت.. بالحركات.. بالوجه ربما، لكن روحي تنشع على ملامح وجهي تفضح جروحها..
أشعر بالحرج.. أختبئ..
التي تعرفني قالت لي لن تتمكني من التمثيل.. الغرباء يرونني مصطنعة.. أنا كاذبة.. نعم أنا كاذبة
ما هو الكذب؟ الكذب هو إخفاء الروح داخل الجيوب، مع الفلوس.
يقولون: "ما يعيبش الراجل غير جيبه".. دخلت كثيرًا من الجيوب، لكني كنت أقع منها، كل الجيوب مرقعة.. الجيوب لا تنفذ إلى الروح.
أعشق الأرواح؛ أنا عفريتة.. ربما، لكني أمقت الجيوب.
أحب ارتداء الماركات العالمية وأجلس بها على المقاهي المتواضعة.
أنا متناقضة، ربما.. لكني أكره الأماكن الفخمة.
تلك التي تعرفني وتعرف أني لا أجيد التمثيل أسقطتني أيضًا من جيبها، حاولت أن تلملمني بين ثنايا روحها، لكن السقطة كسرت شيئًا ما بي.
يقولون إن الكتابة تسرِّب أشباح الوجع؛ كتبت حتى الآن عشرين سطرًا، فاجتمعت حولي الأشباح تستأنس بكتاباتي، إذن لست عفريتة.. أنا دجالة، والدجالون لا يتقنون الحب.. لكنهم فنانون بالفطرة.
الأحباب يتناقصون..
بعضهم سقط من ثقوب جيبي، وآخرون سقطت من ثقوب روحهم.
أنا أيضًا مرقعة الجيوب، لكني أراني سليمة الوجدان.
لكني أراني سليمة...
لكني أراني.. وهذا يكفي..

الخميس، 9 أغسطس 2012

التاء مربوطة


منذ عشرين سنة وأنا في كل مناسبة أعيش الحادثة من جديد.. حينما أتى أحدهم بوجه الواعظين وثوب الملائكة.. داعبني قليلا ثم باعد بين قدماي وتلمسني ببساطة.
أبي عقد له ذراعيّ ليكبح تفكيري في الهروب.. قص الرجل شيئًا مني لن ترده الأيام، كفّنه بقطنة وأعطاه لأمي وأخذ منها أجر ما قطع.
كان الجميع يحتفون بالحدث، بينما أفكر.. هل سينمو من جديد ما قصه الرجل؟ أم كيف سأرده بعد أن خذلني أبي؟ كنت في السادسة حينها..
بعدها بسنوات لم أشعر بها، يوم باغتتني الأنوثة، سمعت الخبر يزف بين نساء العائلة.
لم تتذكر إحداهن أن هناك طفولة ملقاة وجب تأبينها، لم يقدمن واجب العزاء، لم يلحظ أحد السرادق المنصوب حولي.
أمي تصرّ أن أنتعل الكعب العالي، وأبي يكلمني عن غطاء الرأس.
في المدرسة يتصيد المدرس أخطائي الإملائية ليضربني، يذكرني بالقاعدة "التاء المربوطة تبقى مربوطة حتى تتصل بضمير" كان يضربني وينتشي.
يأبى نهداي الخروج من قوقعة جسدي حتى لا يطالهما ضرب المدرس.
على سُحُب الإنترنت حملات عارمة لحماية نون النسوة، تحثني على الصراخ لإثبات حقي في فراغ آمن.. لكن على الأرض التاء المربوطة عليها أن تبقى مربوطة حتى تتصل بضمير.
الرجل في الحافلة كان يلتقط صورا لساقيّ.. لا أستطيع الرفض؛ التاء مربوطة، كل ما أمكنني فعله هو التشرنق داخل بنطال يكبرني بقياسين.
في مكتب الصرافة يسألني الموظف كل مرة عن بيانات خاصة، يقول إنها ضرورية لاستكمال الورق.. الاسم.. السن.. رقم الموبايل.. الحالة الاجتماعية.. وفي النهاية يسألني عن المبلغ المطلوب إيداعه أو سحبه، ثم يتأمل خطواتي بنشوة اعتدتها منذ زمن.
أخرج من المكتب إلى الكوافير.. لطالما أحببت البنت العاملة فيه.. البنت التي تنزع عنا كل ما نأباه ينظر إليها النساء من علٍ.. البنت التي نفر منها الجميع في النهار واسترضاها الرجال في المساء.. كلما زرتها كنت أبكي بين يديها دون أن أبدي لنفسي سببًا.
في المرة الأخيرة طلبت أن تبكي هي، حكت لي أنها أحبت فانتهكت قلبًا وجسدًا.. فباتت توزع بعضًا منها على الرجال.
أخرج من الكوافير مخبئة الكثير مني وأسرع إلى البيت لأعيش جمالي وحدي.
في المصعد أحدهم أهدى نفسه بي؛ أصرخ صرخة مكتومة وأتذكر أن التاء مربوطة.
دخلت البيت وقصصت شعري بنفسي، لم أنتظر حتى أعود إلى البنت التي تنزع ما نأباه.. أخرج بشعر مقصوف، وبنطال أكبر مني، ونهدين مدفونين، ومعي بعض من طمأنينة غائمة.. أدخل ثانية مكتب الصرافة لأختبر الأمر، يسألني الموظف بسرعة:
- اسم العميل؟
- س.. س.. صبري.
- سحب أم إيداع؟

الأحد، 5 أغسطس 2012

ترمي أسنانها للقمر


تمرير المقص في الهواء يقتطع من الرزق.. لعبة الحجلة تجلب الفقر.. السِنّة المكسورة ارميها للشمس فتعوضك بأخرى بيضاء..
في المرة الأولى ارسمي ثلاثة خطوط على الأرض حتى لا يدوم دليل أنوثتك أكثر من ثلاثة أيام.. هن يدركن كم هي مؤلمة أنوثتهن، لماذا إذن يحتفلن بهجرة طفولة إحدانا عنها؟! هل لتقاسم إحدانا الألم معهن؟ لن يخفف موتنا من وجعكن أيتها الغبيات..
شرهن يفرح لقتل الأطفال بدواخلنا.. وأمومتهن توصينا برسم الخطوط الثلاثة.
فضلت لعبة الحجلة على كل الألعاب.. فقط لإثبات حالة الرفض. كثيرًا ما اخترعت احتياجي إلى المقص لأدعي ثلامته وأمرره في الهواء علّه صار قاطعًا.
إذا تخاذل ثبات سنتي نهارًا امتنعت عن الأكل حتى المساء لتقع السِنّة ليلاً فأرميها للقمر.
لكني رسمت الخطوط الثلاثة...
الطفلة داخلي لم تدعني أحلم بالكعب العالي، كانت تشيح بوجهي بعيدًا إذا مررنا بأحد مراكز التجميل.. تلقائيًا كانت ترفض دعوات الحفلات الراقصة بأعذار مصبوبة مسبقًا، أعذار لا تغني من فضول لكنها كانت تنتشر في فراغ خانة الرد.
الطفلة ارتمت عندما داعبها الكبير..
هكذا الأطفال دائمًا يلقون بأجسادهم إيمانًا بأن حضنًا ما سوف يلتقطهم.. ثقةً في خفة أرواحهم.. طمعًا في لحظة يصافحون فيها الطيران.. وحدنا الأطفال نتقن الأمنيات...
عندما داعبني الكبير وارتميت في حضنه لم يفتح لي ذراعي قلبه.. لم يرني.. أو ربما رآني ولم يصدق إنذاري بالحضن.. كذبني وصدق الكبار.. تجمدت مداعباته.. ما للكبار يصغرون؟! وحدهم الكبار يرهبون البسمات...
لم يلتقطني حضنه من الهواء، تركني آخذه ونسقط، فكان الكسر مضاعفًا.. وبرغمه الطفلة لا زالت ترفض أن تكبر.. تقفز الحجلة.. تتضخم داخلي.. تقص الهواء.. تتركني وحدي معبأة بالهجر..
الخصلات البيضاء تتسرب إلى مشاعري، والأسنان تعاود السقوط.. تحت غطاء رأسي تئن الضفيرتين.. أمسح الخطوط الثلاثة فيُعاد رسمهم...
الطفلة تأبى البكاء.. ترفض المساومات على الكِبَر مقابل أن أتوحد معها.. تحترف القوة.. تتضخم.. تقص الهواء.. تحذر الدنيا من أن القسوة قد تحيلنا وحوشًا.. تصفع الدنيا بنصائحها وتنام.. مبتسمة.. ودامعة.
بعدما أوقعني الكبير (أو أوقعته) تركني أتفكك على الأرض، فصرت أخشى لعبة الحجلة وكففت عن قص الهواء، ربما ذبح المقص أمنية عابرة إلى صاحبها..
بيد اصفرار أسناني كان لأني رميتها للقمر، فنبتت أصولها في الظلام.. ربما تلاشي الأمنيات كان لاستهتاري بنصائح الكبار!
الآن أحترف مصادقة الكبار.. لا زلت في طور الطالبة، فالطفلة لم تدعني أتعلم التمثيل مبكرًا.
ولم تزل تستغفلني وتقفز الحجلة وتلهو بالمقص وتلقي بالأسنان للقمر...
ترتوي وحدها بذكرى مداعبة الكبير.. وتتسرب مني إليه.

الثلاثاء، 31 يوليو 2012

عن بيت يخطئه الفلاسفة


قال لي يومًا أحد الذين عرفتهم فلاسفة: إن البيوت تحيا بأنفاسنا، ثمة حبل سري يربطها بنا؛ إذا قطعناه هلكت.
البيوت تحيا بأنفاسنا..
البيوت تحيا بأنفاسنا..
البيوت تحيا بأنفاسنا..

ما له إذن يهدد بالسقوط! أنا دائمًا عائدة إليه، فغيابي عنه بعض الوقت يعبئ رأسي بالهلاوس.. ماذا لو هجرني البيت ورحل؟ ماذا لو أضعت مفتاحه؟ هل سيسمح لي بكسر بابه؟ هل يمكن أن آخذه معي في مشاويري؟ كيف سيحيا بساكن غيري؟ ومن أين سيأتي بساكن غيري؟! السكان القدامى يفرغون فيه حنينهم ويستكملون الهجر براحة ضمير، ولم يعد يأتيه مشترون جدد، أذكر آخر زائر أتاه ظنناه ساكنًا جديدًا، لم يكن كذلك، كان مهندس الحي، أقر على الورق الرسمي أن البيت ميؤوس من تجديده...

يومها أوصت الطبيبة لأمي بعقاقير لضبط الهرمونات والمواظبة على أقراص الكالسيوم.. مدى البقاء.
علقت على المصعد ورقة "حمولة المصعد فردان" وأخرت استضافة أقربائي إلى حين.
طمأنت نفسي بمقولة الفيلسوف...
البيوت تحيا بأنفاسنا..
البيوت تحيا بأنفاسنا..
البيوت تحيا بأنفاسنا..

دومًا بعد عذابات العمل وصخب العلاقات وبعد كل انتكاسة حب لا أفكر في المشي بمحاذاة النيل أستجلب التفاؤل، ولا الجلوس في المقاهي الفاخرة أفرغ الاضطرابات على الورق.. كنت أعود إلى البيت أستدفئ زواياه، رغم خلو الأرض من السجاد كان يدفئني.
تتعجب أمي من الدمعة المتسللة في حضنها.

بعد كل السقطات كنت أعود إليه.. أوصد الباب وأحبس العالم كله بالخارج.
- ماما.. خالتو طلبت زيارتك وقلتلها إنك مسافرة.
- ليه؟!
لن أجيبها..

البيت تتعالى أنّاته.. الحديد يتعرّى في السقف صدئًا، أخال تلك الأرضية كانت طبقة من السقف في يوم من الأيام وأخذت في الهبوط حتى صارت تحت أرجلنا.. ونسينا.. ماذا لو هبطت الطبقة الأخيرة؟ سأبقى في العراء..
البيوت تحيا بأنفاسنا..
البيوت تحيا بأنفاسنا..
البيوت تحيا بأنفاسنا..

كاذبون هم الفلاسفة؛ الطلاء الجديد بعد أقل من عام خلّف قشورًا على الحائط، لم يكن عيبًا من النقاش كما قلت لأمي. تسألني عن اتساع عباءتها، لن أخبرها أن وزنها يتناقص، سأقول إن هذا القماش يتهدل بعد الغسل.

الجميع يخبرونني أن جريدة الإعلانات ملأى بالبيوت المناسبة.. لا أكلف نفسي حتى بالسؤال عن صفاتهم.
أحاول إخفاء الجريدة عن الجميع، لكن البيت يتآمر مع مندوب الجريدة، يفتح له الباب في موعده كل أسبوع، وتصرخ الجدران، مهللة لحضوره.. ومحذرة إياي من السقوط المفاجئ.

أدرك أن الرفاق يتساقطون.. غدرًا أو قدرًا هم يتساقطون.. ويبقى البيت...
تتسع رقعة امتزاجنا.. وأنتظر سقوطي معه.
- ماما.. جبتلك شكولاتة وجبت فازة جديدة للصالون.

الأحد، 29 يوليو 2012

حينما تعيث الحكمة فسادًا


هل أخبرتك من قبل أنك لست الوطن الصالح لي؟ لا أعرف بعد إن كنت كذلك أم أن حبك فطري لا يموت.
سئمت تكرار أغنيات الشجن ونزف المشاعر بيننا، أي زمن هذا الذي يحتم ممارسة الحب سرًا ويرتضي القهر في وضح النهار؟! إنه محض عبث.

بالأمس عندما ذهبت لتستقبل صديقتك المصرية الخليجية "عائشة" لم أُبدِ لك تسرب روحي مني، لم أبد الوجع كما ينبغي أن يبدو.. اكتفيت بدور الإنسانة؛ أوصلتك بسيارتي إلى المطار ورحلت دون تأبين يليق.
في كل مساء بينما تعبئني بك، تصنع في رأسي ثقبًا تتسرب منه دروس الماضي.. وكأن عمرًا متخمًا بالتجارب لم يكن.
***
في الأيام الفائتة ومع تصاعد الأحداث في الشارع، اعتدت العيش مع الجلبة، بحكم سكني في مواجهة الوزارة تمر المسيرات تحت نافذتي، يصرخون "البلد دي بلدنا والشهدا دول اخواتنا"..
الاستعداد للموت يطفو على وجوه الأطفال/ الرجال.. ورائحة الخوف تتصاعد من الهيئات السلطوية.
أتساءل: إلى الموت يسيرون بخطى ثابتة أم إلى الفجر؟ أخشى أن تكون الشمس محض سراب.
يبات الأطفال على الأرصفة، يتسامرون على أصوات الرصاص وأناشيد الشيخ إمام. أدمنت رائحة الغاز التي يعاندها الاعتصام..

أخاف من تكرار تخديري أمام شبقك كل ليلة.. أخشى أن تصنع مني مسخًا ومع الأيام سألقى على شواطئ النسيان.
كثيرون هم من رأوا بسمات الشهداء فذرفوا لها دمعة وحيدة وضربوا الأكف، وانصرفوا، ناسين الأمر برمته.
لا أحد يواسيني في غيابك...
كثيرون أيضًا من يجنون ثمار زرعتنا...
الجماعات الإسلامية بعد أن عاشت عصور الظلام تسيطر الآن وحدها على الجهات التشريعية.. وتنكر شرعية الميدان.
وحدها "عائشة" لها أن تتكئ على ذراعك أمام الأصدقاء.

اليأس خيانة.. اثبت مكانك.. الثورة مستمرة.. حق الشهداء.. شعارات تطاردني في الشوارع وعلى صفحات الإنترنت.
البراعم اعتادت لون الدم وصوت الرصاص.. لم يعد يرهبهم توحش السلطة.
لماذا إذن خفت مصارحة والديك بحبنا؟ لماذا قدمت دمي قربانًا لهما؟ لمَ استسلمت لقواعد أوجبها علينا الكبار دون وضعنا في الحِسبة؟
مـــــــــــــــــــــن جــــــــــــــــــرّم الاعتصــــــــــــام أمـــــــــــــــام الـــــــــــــوزارات القمعيــــــــــــــــــــــة؟!

لا أدري إن كنت تخونني مع "عائشة".. أم تخونها معي...
بينما أنسجم مع فيروز وهي تتحايل على القواعد وتستعطفك بما كان مرددة "انت حلالي رغم العيال والناس" ينازعها الأبنودي بصوته الأجش "احنا ولاد الكلب الشعب".. هي الأضداد مجتمعة في سهرتنا.. سنصلي متوضئين بالخمر.. لا تندهش؛ سنمارس الحب الليلة على أصوات الرصاص والهتافات "الاعتصام مشروع مشروع ضد الفقر وضد الجوع".. أبتسم وأقبلك بهدوووء...
***
الأطفال مسالمون طيلة أسبوع مضى، لكني رأيتهم اليوم يحاولون اقتحام المبنى الحكومي.. أنا مرتبكة جدًا.. من بدأ بالقتل؟ حامل السلاح؟ أم حامل الهم؟
أتأرجح بين البرامج التلفزيونية، هذا يحلل وذاك ينظّر، هم بلطجية.. هم ثوار.. مأجورون.. جاهلون.. تعصب.. حقوق مهدرة.. راكبو موجة.. أهالي شهداء...

ببساطة.. هم صنعوا من أولئك الأطفال وحوشًا يجرونهم إلى أخذ حقوقهم عنوة.
سهراتنا معًا حق لي، أنا التي أحبت وقُهرت بفروض طاعتك لوالديك، فلتكتفي "عائشة" بالظهور معك في المناسبات الاجتماعية.
***
ما حكم سرقة الحقوق؟
سألت شيخ الجامع فاكتفى بدرس في أفضلية الزهد وخلفني في مواجهة المحراب.
وأبي يضجر لسماع لفظ السرقة، ويذكرني بوجوب الطاعات..
مــــــــــــــن أوجــــــــــــــــب الواجــــــــــــــــــب؟

سئمت نصائح الحكماء؛ تتجاهل دائمًا نزف الروح، أي حكمة ترتضي الدم بلا ثمن؟! تعنفني أختي لأتركك لـ"عائشة".
تلّح على ذهني كلمة مستر مينا مدرس الميكانيكا في المرحلة الثانوية "لتفهم المسألة شغل خيالك؛ حساب الورقة والقلم غير كافٍ لتكوين الصورة كاملة بعقلك".
كنت كثيرًا ما أحل المسألة دون الناتج النهائي، فيضاحكني ويقول لي "يا طفلتي.. نصف حل كلا شيء".
أفتش في الأوراق القديمة.. هنا وردة تكسرت من ثِقل الكتب فوقها، وهنا رسالة غرامية بهت لونها، وزجاجة عطر معتق، وأول جورب لبسته في حياتي.. تعرف أني أفضل المشي حافية، فلملم زجاجك المكسور من أرضي.
ها هو رقم مستر مينا.. اتصلت به فعرفت أنه أيضًا رحل سدى، وجدوه مذبوحًا في مشرحة المستشفى القبطي بعد مذبحة ماسبيرو...

أرسل إليك رسالة ربما تكون الأخيرة...
"لا أستطيع الرد على اتصالاتك الآن أنا في المسيرة".. أغلق الهاتف وأصيح مع الرجال "يا نجيب حقهم يا نموت زيهم".