هنا مدخل إلى ينبوع الروح.. لا يمرر غير من تقبل الاختلاف

الثلاثاء، 15 ديسمبر، 2015

إلى عزيزتي التي ربما خذلتها

كثيرًا ما فارقت صديقات بعد زواجهن، ومن كانت منهن على استقواء تمسكت بما بيننا حتى تكوّن جنينها الأول.
كثرت مواسم الفراق وكثرت وعود بعدم التخلي، لكنهن خذلنني.
آمنت أن جميعهن يتغيرن بعد الزواج، وحذّرت الجميع من فراق المتزوجات، وأن علينا تقبّل الأمر ببساطة. فنحن في مجتمع تحتاج النساء فيه الكثير ليمسحن صورًا زرعت في دواخلهن قسرًا.
طالما وعدت نفسي ووعدت الصديقات ألا أصبح مثلهن، فطالما ربطت الأمر برفاقهن السلطويين، وأنا لن أتزوج رجلاً متسلطًا.
الآن فقط عرفت..
عرفت أن لا علاقة حتمية لرفيقها بالأمر..
عرفت أني بالأكيد ظلمت كثيرًا من الأزواج..
عرفت أن أسبابًا كثيرة قد تبعدهن، غير تسلط الأزواج والاستغناء عن الصديقات..
فيكفي يا عزيزتي الإنجاب الذي ينفخ النساء بالألم.
الحمل يا عزيزتي ليس كما ترين، فهو لا ينفخ فقط بطون النساء.. إنما ينفخ البطن والقدمين واليدين والقلب والروح والعقل.. وينفخ الوقت بالفراغ.
عرفت أن حضني وقتها (أنا الفتاة الحالمة) لم يكن فيه متسع لامرأة انتفخت بالوجع وتحمل في جوفها جنينًا وعلى ظهرها بيت وزوج ومصروف، ومشوار السوق وغسل الثلاجة وحماة وتجهيزات المولود وأنبوبة الغاز، وأم تحولت علاقتها بها لواجب أكثر من أي شيء، وحب في طور لم تسمع به من قبل.
لم تسمع به لأن الصديقات السابقات لم يحكين عنه، لأنهن أيضًا انتفخن بالبيوت وبالفراغ فلم يحكين.
الآن عرفت أني وقتها ربما خذلت الكثيرات كما خذلنني، قد يكنّ انتظرن أن يتسع حضني كما اتسعت عليهن حيواتهن فأحويهن كما كنت أفعل.
الآن أعذر الصغيرات لأنهن لم يفهمن انشغالي الدائم عنهن بشراء حذاء مريح يُمكّنني من إنجاز مشاويري التافهة التي لا خطوة فيها باتجاه أحلامي.

عزيزتي..
أنا لم أتعمد الخذلان، لكني فقط لا أود تحميل إحداهن بأعباء فارغة لامرأة نسيت الأحلام وتفكر فقط في ضيق أحذيتها.
لم أتعمد الخذلان لكني بحاجة إلى صديقة تتسع أذنيها للغط فتاة استيقظت على كونها امرأة، تعبأت فجأة بأحاديث المطبخ والمصروف وملابس الأطفال وموسم المدارس.

لم أتعمد الخذلان لكني أضيق من أن أحوي أحلامك بالفرسان وبالنجاحات وبالسفر، وأوسع من أن يضمني حضن فتاة حالمة مثلك.

السبت، 25 أبريل، 2015

بنات الأحمال الثقيلة


إن رأيت يومًا فتاة تحمل عبئًا ثقيلاً وتسير في شوارع القاهرة.. إن لمحت امرأة ستّفت أولادها وزوجًا ورفعتهم على قفص أو ما شابه فوق رأسها.. فاعلم أن في قلبها مُرًّا رتّبته فوق صدرها يسد مسار أنفاسها.. وتعيش.

اعلم أن هناك خذلان ما  في حياتها.. ربما حبيب غطس في زحام الأيام لا فرق إن كان عن قصد أو بغير. ربما أخ نسي أو أب شاخ أو ابن لن يكبُر.. ربما زوج لم يحل بحياتها بعد.. أو قد حل جسدًا لكن روحه مؤجلة الحضور إلى أجل لا يدركه أحد. أو ربم وطن انزاحت أرضه من تحت رجليها على غفلة من ليل ما.



إن رأيت امرأة في الطريق تبدّل وجع الأحمال الثقيلة بين يد وأخرى، أو تضغط أفكارها في رأسها وتكمرها بالحقائب الثقيلة.. إن رأيت امرأة تتخفى لتصل إلى عربة المترو بأكياس ثقيلة فأفسح لها الطريق.

إن رأيت امرأة كوّرت شبقها ونسيته في أحد أركان حقيبتها وتحمل طفلاً وكراساته وطعامه وتجري لتلحق بالحافلة حتى ولو يلحق طفلها فقط ليصل هو، فأفسح لها الطريق.

إن رأيت فتاة تحمل حاجيات مطبخ وكتبًا وأوراق العمل وحلمًا كرمشته الليالي فبدا قديمًا غير صالح للفرح، فأفسح لها الطريق.

إن لم تقدر على رفع عبء عنها فاهدها براحًا يوصلها إلى وجهتها، أو أبطئ بسيارتك حتى ترسو هي على البر الآخر، وإجلالاً لهول لحظة خذلان.

إن لم تصل إلى رجل رحل عنها دون موعد لتنهره، فكن رجلاً حتى ولو لفتاة أخرى تخشى أن تحمل أكياسها الثقيلة وحدها وتسير في شوارع المحروسة دون رجل يحمل عنها الأعباء أو يفسح لها براحًا آمنًا.


الخميس، 10 يوليو، 2014

الزوايا

من خلف القفص أنظر إليها، ألامس مربعاته واحدة واحدة، أشك أني فوّت أحدهم فأعاود الكَرّة، أحاول الوصول إليها وملامستها، أخاطبها بصوت مسموع ودمع يبدو للمتأمل في عيني: "مش ذنبي والله! عارفة إنك مش هتفهميني، بس هتحسي بيّ".

أخبرني النادل أن المكان لا يسمح باصطحاب الحيوانات الأليفة، فوجب ترك القطة داخل القفص. أكملت القهوة ودفعت الحساب.

أمي كثيرًا ما تنهرني لأن الشوارع لا تحضن البنات، وأن العاشرة موعد متأخر للمشي في الشارع وحدي.

أخرج القطة من القفص فتتكوم في ركن الحجرة البعيد. وأغلق باب حجرتي لأنعزل عن البيت.

تتمتم أمي بكلمات لا تصل لأذني لكني اعتدتها بعد كل خلاف.

قائمة الأسماء لا أجد فيها من يمكن لقلبي الوصول إليه، باستثناء رقم واحد.. غير متاح.

ولما ينفتح الهاتف أجد صوتك على غير العادة، تداعبني كثيرًا من بين ذرات الأثير، وتحاول وتعيد.
تكرر كلماتك.. لكني أتساءل مع نفسي لِمَ تركتني وحدي بين كل هذا الحطام.

أسمعك -دون أن تتكلم- وأنت تتساءل أين هو حطامك المزعوم. لا أعرف كيف أحكيه، دائمًا أظنك تعيشه حتى وإن لم يُحكَ.

تخرج عن الموضوع وتتكلم في أمور لا أفهمها، كلمة عن البيت وأخرى العمل ثم الزحام والمال والحر، فيتكوم كل منا في زاوية من زوايا الحوار، وينام.


السبت، 21 يونيو، 2014

العودة من أثر الخدر


جميعهم كانوا يسردون القصة من أول لمبات السقف التي تجري للوراء، مرورًا بشريط الذكريات الذي تمر سنواته في لحظات، وصوت الأطباء الأجشّ، ثم هلوسات البنج، وحتى زملاء العنبر الذين تتخلل جراحهم الحكايات والسمر.

لم أجد أيًّا من ذلك، فقد دخلت غرفة العمليات ماشية على قدميّ بالجاون الأخضر.. وحدي، كان يصاحبني فقط صوت صفير أجهزة غير مفهومة، وفراغ.

أبَى جهازي العصبي الاستجابة للتخدير النصفي، أبى إلا خدَر كامل وانفصال تام أو لا شيء، استسلم الطبيب للأمر الواقع وقرر حقني بالخدر الكامل، لكن انتقامًا لعنادي حقنني به على حين غدر، وكعادة كل غدر لم أنتبه إلا بعد تمام الأمر.

كنت خائفة من ساعة الإفاقة، حتمًا سأعترف بقصص أُغلقت عليها صناديق الأسرار، وسأعترف بشرور لم تبدُ على وجهي الطفولي، وستنفضح كل خططي بترويض الأمور.

وربما في الهلوسات أروي أمورًا خيالية ولن تُعرَف من الحقيقة، كأن أحكي أن الأمر كان محض دعابة ولم أحتج إلى الطبيب كما رويت في أحد المنامات، أو أروي أن العملية كانت يسيرة وأن طبيبة التخدير الحسناء كانت جميلة حد طمأنتي.. في الحقيقة كانت مضطرة إلى طمأنتي لأنهم أخبروها أنني قد أصاب بإغماءة تحت التوتر العصبي. كل الطيبين يومها كانوا مضطرين.

لم أعترف بأي أسرار ولم أفتح أي غرف مظلمة لحظة خروجي من غرفة العمليات، شكل الناس تحت تأثير البنج ألهاني عن أي اعترافات، رأيت أحدهم أصغر من أن يوضع في حسبان، والمرأة المتغطرسة كانت هزيلة جدًا مع أثر البنج، وآخر كان كبيرًا، كبيرًا جدًا، خفت أن يكون أكبر من أن يحتويني، لبرهة خفت أن أتوه بداخل حضنه.
لكن الجميع كانوا بأكثر من عينين، ويشغلون أنفسهم بمراقبتي أيًا كان اتجاهي. وجميعهم كانوا بفم كفم الطيور يتربص لنقري.


الكثيرون سقطوا مني. لم يفهموا أن حالات المرض ليست مجرد وجع في عضلات الجسد، حالات المرض وجع في ذهن المريض وخيالاته الأليمة بتوقع المستقبل، ووهن على وهن.

حالات المرض هي خطوة نحو الموت، بغض القلب عن اتساع الخطوة، ولكنها نحو الموت.

حالات المرض جوع وعطش لا تملك إماطتهما إلا بمساعدة آخر، ووخز بحجم عقلة الإصبع لا ينفك عن الهمس في أذنك وإخبارك بأنك لا شيء، وجعل كيفية ضبط وضع ظهرك على السرير هو أهم ما يشغل عقلك.

كل الهدايا لبن وعصير صناعي، لا أحد يأتيني بالعلكات الملونة ولا أكياس الشيبسي بنكهاتها الحريفة، كما أن انتصار تعدد الصداقات بدا انتصارًا زائفًا حين لم يزرني الكثير وأفاجأ بأغراب يسألون عني بقلق.

الكثيرون سقطوا لما لم ينتبهوا لمدى الوهن والفراغ المتربصين حولي، ولم يتكلف الكثير باتصال.. حاولت جبر الأمر بمن أتى من الغرباء والمنسيين.

أحتاج لمن أعترف له بأني أصطنع بعض الهلوسات بأني أتعافى من عملية ولادة قيصرية وأحاول إرضاع العرائس لأخفف وطأة الفراغ والوجع.

أنا لا أحمّل الأمر أكثر مما يحتمل؛ استئصال الزائدة ليس عملية سهلة كما يخبروننا، الجرح جرح، البنج بنج، الحقنة والمحلول وغباء الممرضات واحد. لا شأن لي بما يدور داخل جسدي، لا شأن لي بعدد الساعات الباقية للتعافي أو الموت؛ كل ما يهمني الآن هو الآن.

كبرت العملية أو صغرت لا شيء يكسر ملل بياض الشاش والقطن والأسرّة وكوب اللبن، فقط اصفرار البيتادين برائحته الكئيبة.. لا علاقة للأمر بخطورة العملية؛ الملل واحد. كآبة رائحة المرض وهلع الأصوات الصادرة من المرضى حولي واحدة.

أصلًا من سماها الزائدة؟ أنا أشعر الآن -بعد استئصالها- بفراغ في بطني لا تملؤه القراءة ولا أفلام الكارتون. ربما ستملؤه فقط صحبة طيبة قد تأتي على غفلة.

الاثنين، 9 ديسمبر، 2013

الكارتون وأثر السقوط



لما كان القط يسقط فيتكسر كيف يلتئم في المشهد التالي ويكمل المغامرة؟! لماذا أنا مع كل سقطة أتكسر فأرقد طويلاً حتى يمكنني
التجمع من جديد؟! وربما تلتئم بعض الكسور تاركة علامات على السطح أو في الداخل، لتُبقي الذاكرة مشتعلة بدوي الصدمة.

حينما أتكسّر لا أعود بنفس الإصرار لأكمل المشهد التالي، ربما لا أعود أصلاً. كثيرًا ما تجاوزت بعض المشاهد المكتوبة فمررت عليها دون إتقانٍ للأداء من أثر السقطة، وقد أعود أيضًا بتكوين آخر. كانت صادقة تلك الحلقة لما تفكك القط وعاد فتركبت يداه موضع قدميه وذيله مكان رأسه؛ بالنسبة إليه انقلبت الحياة رأسًا على عقب.. كثيرًا ما أبحث عن رأسي فلا أجدها، أجدها محشورة بين ضلوعي يعبث بها قلبي كيفما شاء فأقاتل لأستعيدها فوق جسدي ولا أستطيع.

لما كان أحد بطلي الفيلم يمشي على السور فينتهي من تحته ويبقى في الهواء حتى ينتبه للفراغ حوله فيسقط، يتعلق بأحد النتوءات التي تُزاد على السيناريو دون مبرر سوى إنقاذ البطل، حتى أني أذكر أن الفأر مرة تعلق بعلامة استفهام خرجت من عقله.

ذات صباح صحوت مع موسيقى جنائزية ومراسم دفنك لأخرى.. لم تمهلني الحياة تلك اللحظة التي يفترض أن أنتبه فيها لقرار الأرض بالانتهاء تحتي، ربما كنت تشبثت بأي يد ممدودة أتوسدها لتخفف فقط وطأة السقوط حتى لو يرحل صاحبها بعد ذلك.
أفقت متكسرة على الأرض وأكملت المشهد بتكوين آخر، كان هناك جزء ناقص مني ربما ضاع ساعة الانكسار.

لما كان يحتدم الصدام ثم ينتصر أحد بطلي الفيلم على الآخر، كان يرق قلبه لما يرى عدوّه معشّقًا بالبرودة جائعًا وحيدًا، فكان ينسى كل المراوغات والنزاعات ويدعوه لدخول بيته.
لما رحل رفيق الأمس إلى آخرين راقصًا رقصات الموت، كان ينظر إليّ فقط ليطمئن أني ما زلت معلقة في أثر الذكرى وحدي.

لا يرق أعداؤنا لوحدتنا وحالنا البائسة، وكذلك الأصدقاء..

حينما يبالغ القط الخصم الأقوى في العداء كان الفأر تأتيه قوة خرافية، فيخرج النار من يده أو يتضخم فيبلع القط أو يزعق
بقوة فيُطاع.. كنت كلما زعقت أتلقى صفعة تذكرني بأنهم الأقوى، ويكتمل الفيلم على نفس الوتيرة.. ومع بدء كل حلم ينتهي العرض ويتصدر المشهد لافتة"The end" .

السبت، 31 أغسطس، 2013

حرب الكواكب

ليلة مرت قبل أكثر من 20 عاما.. كان في الخلفية صوت عذب يردد "متخافيش أنا مش ناسيكي"، في بيت جدي أراقص السمك من خلف الزجاج، أسأله: 
جدو.. ممكن تبقى تديني السمك ده وأنا راجعة؟
يقرر: أمك مش هترضى، هتخنقه..
أقضي الليل في تساؤل كيف يختنق السمك! لا رقبه له ليخنق منها. في الفجر تناديني أمي "قومي بقى يا مقصوفة الرقبة"، وتتعجلني لنلحق بالركب العائد إلى القاهرة.
دائمًا تخاف أمي ألا تلحق بالركب.

في الميكروباص يمتعض شيخ للحن "ملهاش حل تاني"، ويطلب من السائق وقف الأغنية لعظم الذنب في نهار الجمعة. فكرت في أن رب الجمعة لديهم هو رب رمضان لدى أمي، وهو أيضا غير رب بقية الأيام.
-          ماما.. هاتيلي سمك زي بتاع جدو.
-          هتعملي بيه إيه؟
-          هعلّمه يعيش برة المية، فاكرة لما تيتة تعبت وخدتيني من عندها وقلتي لازم أقبل أي ظروف؟ ما يجرب هو كمان يعيش برة المية؛ افرضي جدو مات والمية نشفت من عليه؟! والنبي يا ماما.. وحياة رب الجمعة ورمضان.
-          اسكتي بقى يا مقصوفة الرقبة انتي؛ خنقتيني.
من أين يخنق مقصوفو الرقبة؟! ظننت أننا معشر مقصوفي الرقبة مثل السمك، لا رقبة لنا، نحن إذن في أمان من الخنق.

لكن العقاب بألا أحوي أي أليف في البيت دام عمرًا كاملاً..

لم أعرف لما مات جدي ماذا جرى للسمك، لكن كثيرا ما لاموني على فكرة تعليمه العيش خارج الماء، حتى ظننت أني قتلته.
***
في السابعة صباحا توقظني أختي قبل موعد الدرس بساعتين:
-          أمريكا دخلت العراق.. فيه خيانة حصلت.
تصحو أمي على جلبة ذعرنا وترمينا برد وحيد لم تكرره حتى مقتل صدام حسين:
-     خيانة من مين؟ ده كان وقت الشباب، كانوا يقاوموا لآخر شاب فيهم.. وتفتح الراديو مع صوت لا يناسب ساعات الصباح وتفاصيل الهزيمة، ينوح "قاللي الوداع وأنا أقوله إيه".
***
على الشاشة شريط دم ينحدر بنزيف من الأخبار، يحوي خبر مقتل المخرج السينمائي مصطفى العقاد في تفجير بعمان.
مذيع البرنامج علّق بأنه لولا زفاف ابنته لما حضر إلى ذاك الفندق ولنجا بحياته، ثم فاصل بإعلان مشروب بارد وكلمات باردة تناشد "كمل كلامك الليلادي معاك أنا"..
لماذا يحمّل التلفاز ذنب التفجير ليمامة ليلة عرسها، ماتت في نفس الحرب.
منذ ذلك الإعلان والتلفاز يثير داخلي ظنون السوء.
***
ذات ليلة لم تلقينا بالنوم ساعة، أعاد التلفاز فيلم "ليلة سقوط بغداد" وكفنّت صديقين وأبدلت الثالث عينيه بنظارة سوداء، وأخرى لم تجد حبيبها بعد، بعدما وهبها روحا تداعب أحشاءها.
أحدهم أخبرنا أنه آخر يوم شوهد فيه كان صباحا يصرخ "الشعب يريد إسقاط النظام"، ومساءً ينيّم الرفاق مع دندنات "مصر قالت صوت ولادي كلمة الحق ف بلادي"، وكان يحكي مغامراته للخروج دون علم أبيه لأنه يتهم كل أبناء الميدان بمص دم الحياة.
وحده كان يود ضخ الدم فيها، وحده ضاع.
***
بالأمس كان اجتماع مع مجلس إدارة المجلة.. "نأسف لكم يا حضرات، أنتم أبناؤنا الأعزاء، ونرجو منكم أن ترفعوا رؤوسنا في صحف أخرى.. لأن جريدتكم هذه ستغلق في نهاية العام...".
لم أسمع كثيرا مما قيل في الاجتماع؛ صوت النهنهات كان يغطي على صوت رجال الإدارة، في مجلة "جيل التمانينات" أكثرنا لم نعمل بالصحافة من قبل، أو هكذا رأينا أنفسنا.
لكن أحد الإداريين القدامى تجاهل كل التعنّتات التي استُنفِدنا في كسرها، واختصر الأمر بأن المجلة سقطت لما ولّوها لـ"شوية عيال".


صوت من داخلي ردد "ونندم ع العشرة الغالية ونرضى بالمكتوب".. لم أعرف لما مات جدي أين ذهب السمك.. لم أعرف كيف شاركت ابنة مصطفى العقاد في الجريمة، وكيف تخاذل شباب العراق، وكيف سقطت "جيل التمانينات" لما تولاها أبناء الثمانينات، لم ندر حتى الآن كيف بقي الحبيب الضائع في المشرحة أسبوع حتى تعرّف عليه أبوه، فقط عرفت أن بغداد سقطت وأن مقصوف الرقبة يُخنق من الداخل.


الجمعة، 21 يونيو، 2013

فوبيا



أنت لا تعرف شيئًا.. لا أحد يعذرني.. لا أحد حمل عبء الخوف معي.. حتى أنت، الجميع يطمئنني بأني الأقوى، دائمًا تردد لي أنك معي كرقية شرعية تحفظ روحي من الأشباح.

لكنك لا تصدق، تكرر دومًا أن كفاكِ واطمئني ثم تكتب في مذكراتك أني مجنونة، أنت مثلهم لا تصدقني، لا أحد يصدق المجانين، لست مجنونة، انصت معي وستسمعها.

تنصت ولكنك تسمع صدى صوتك القديم، أنت مثل الجميع لا تصدق المجانين، لكني لست مجنونة، فقط صخب دنياك يحجب صوتها عنك.

ذات مرة فزعتَ لأنك رأيتني شاحبة ويدور بصري في أركان الحجرة، كنت أسمعها، أسمعها بوضوح، كانت تصب لعناتها في أذني، همستْ في أذني أن سوف يكون جحيمي على يديها، مرّرتْ أمام عيني صنوف الموت التي سأحيا بأحدها أبدًا، كانت تتلبس كل شيء في المكان، المرآة، السرير، المروحة، زجاجات المياه.. وقبلتك.

لما أتيت تعانقني صرخت: ها هو خيالها مر أمامي على الحائط.. لا تحاول تهدئتي، لست مجنونة، كانت هنا، لم أرها بوضوح، ولكن عينين كانتا هنا تنضحان تشفيًّا وفم يخرج لسانه، لا يمكنك تكذيبي، أنا ملعونة بالحدس أصلا.

قُبلتك حينها لم تروِ رجفتي ولم تسمن من شوق، طعم شفتيك كان مريرا لقد صبت شربتها الملعونة عليهما.

ثمة خوف يحول بين عناقنا، كنت أود أن تذوب أثقال روحي بين يديك، لكنك كنت بعيدًا، كنت فاتحًا ذراعيك وبيننا فقط قدر مَد ذراع وفركة شوق، لا أعرف لماذا رأيتك بعيدًا وتطول المسافة بيننا، كنت تبعد حتى صغرت لكني ارتميت في حضنك، تحديت خوفي وارتميت في حضنك، لأنك رددت مرارًا بأن أقترب، قلت بأنك لم تكن أقرب من هكذا من قبل؛ ارتميت ربما يلقفني حضنك، سقطت مرة، وأخرى، كررت الأمر كثيرًا، كنت أصدم بسور لا أراه، كانت كالمارد بيننا.

رددتَ كلمات أذكر منها أنك اشتقت إليّ وأشياء أخرى، هي في أذني الأخرى ترمي بذور وجع لا يذوب، أصرخ: هي موجودة الآن.
أدور حول نفسي: هي موجودة؛ دعنا نرحل من هنا.. هي تلقي تعويذتها الآن.. دعنا نرحل.. ستقتلنا.
تهدئني: حبيبتي لا أحد هنا.
- أقسم أني رأيت خيالاً مر الآن على الحائط واقترب حتى مر تحت قدميك.

تدور بي في كل أركان البيت: انظري، أنتِ هنا وحدك. لا أحد غيرك في البيت.
ترددها كثيرا: أنتِ هنا وحدك، لا أحد سواك.

تكرر ربما أهدأ وأطمئن. لم أصارحك وقتها بأن كلماتك تضخم مخاوفي؛ لا أحب أن أكون وحدي، أنا هنا وحدي.. بدونك.. أنا وحدي أمامها.

أتقن دور الأقوى وأحاول سحب نفس طويل، لقد غيرت رائحة الجو في أنفي، الجو معبأ بدخان سجائرك التي لم تشعلها.. وأشعلتني.

تكثر هداياك لعلك تربت على قلبي، ولكن فوق كل شيء تأتيني به أرى عينين تتوعداني.

أطمئن نفسي بأني لما ألقاها المرة القادمة سنصير صديقتين، سأحتضنها وأخبرها بأني لا أكرهها وأقرّ لها بأنها الأقوى وأتقبل الهزيمة، سأرضيها بأي شيء لتدعنا نكمل طريقنا بلا خوف، يمكنني مصادقة الأشباح.

في الشارع كل امرأة لا يبدو منها سوى عينين يشبهانها أظنها هي؛ أقدم لها اعتذارًا غير مبرر وأحاول حمل حقيبتها عنها في الطريق؛ ربما كانت هي فتسامحني.

تكثر رسائلك بأني صاحبة كل شيء، كل من حولنا يسخرون من الفوبيا التي أصابتني ويحاولون طمأنتي بألا وجود لأشباح بيني وبينك.

في المرة الأخيرة.. تناولت المهدئ وتجاهلت مرار شفتيك، تجاهلت بُعد عناقك، تجاهلت روحها التي تلبست كل شيء، وظلها المتأرجح في بقعة النور بيننا، لا أحب في كل مرة أن أكون مجنونة.. ولما انتزعت منك حضنا وحيدا خرجت وتركتك مع هاتفك، كنت تحدد لها ميعادا وتثني على جمال عينيها المؤطرتين.