هنا مدخل إلى ينبوع الروح.. لا يمرر غير من تقبل الاختلاف

الجمعة، 21 يونيو 2013

فوبيا



أنت لا تعرف شيئًا.. لا أحد يعذرني.. لا أحد حمل عبء الخوف معي.. حتى أنت، الجميع يطمئنني بأني الأقوى، دائمًا تردد لي أنك معي كرقية شرعية تحفظ روحي من الأشباح.

لكنك لا تصدق، تكرر دومًا أن كفاكِ واطمئني ثم تكتب في مذكراتك أني مجنونة، أنت مثلهم لا تصدقني، لا أحد يصدق المجانين، لست مجنونة، انصت معي وستسمعها.

تنصت ولكنك تسمع صدى صوتك القديم، أنت مثل الجميع لا تصدق المجانين، لكني لست مجنونة، فقط صخب دنياك يحجب صوتها عنك.

ذات مرة فزعتَ لأنك رأيتني شاحبة ويدور بصري في أركان الحجرة، كنت أسمعها، أسمعها بوضوح، كانت تصب لعناتها في أذني، همستْ في أذني أن سوف يكون جحيمي على يديها، مرّرتْ أمام عيني صنوف الموت التي سأحيا بأحدها أبدًا، كانت تتلبس كل شيء في المكان، المرآة، السرير، المروحة، زجاجات المياه.. وقبلتك.

لما أتيت تعانقني صرخت: ها هو خيالها مر أمامي على الحائط.. لا تحاول تهدئتي، لست مجنونة، كانت هنا، لم أرها بوضوح، ولكن عينين كانتا هنا تنضحان تشفيًّا وفم يخرج لسانه، لا يمكنك تكذيبي، أنا ملعونة بالحدس أصلا.

قُبلتك حينها لم تروِ رجفتي ولم تسمن من شوق، طعم شفتيك كان مريرا لقد صبت شربتها الملعونة عليهما.

ثمة خوف يحول بين عناقنا، كنت أود أن تذوب أثقال روحي بين يديك، لكنك كنت بعيدًا، كنت فاتحًا ذراعيك وبيننا فقط قدر مَد ذراع وفركة شوق، لا أعرف لماذا رأيتك بعيدًا وتطول المسافة بيننا، كنت تبعد حتى صغرت لكني ارتميت في حضنك، تحديت خوفي وارتميت في حضنك، لأنك رددت مرارًا بأن أقترب، قلت بأنك لم تكن أقرب من هكذا من قبل؛ ارتميت ربما يلقفني حضنك، سقطت مرة، وأخرى، كررت الأمر كثيرًا، كنت أصدم بسور لا أراه، كانت كالمارد بيننا.

رددتَ كلمات أذكر منها أنك اشتقت إليّ وأشياء أخرى، هي في أذني الأخرى ترمي بذور وجع لا يذوب، أصرخ: هي موجودة الآن.
أدور حول نفسي: هي موجودة؛ دعنا نرحل من هنا.. هي تلقي تعويذتها الآن.. دعنا نرحل.. ستقتلنا.
تهدئني: حبيبتي لا أحد هنا.
- أقسم أني رأيت خيالاً مر الآن على الحائط واقترب حتى مر تحت قدميك.

تدور بي في كل أركان البيت: انظري، أنتِ هنا وحدك. لا أحد غيرك في البيت.
ترددها كثيرا: أنتِ هنا وحدك، لا أحد سواك.

تكرر ربما أهدأ وأطمئن. لم أصارحك وقتها بأن كلماتك تضخم مخاوفي؛ لا أحب أن أكون وحدي، أنا هنا وحدي.. بدونك.. أنا وحدي أمامها.

أتقن دور الأقوى وأحاول سحب نفس طويل، لقد غيرت رائحة الجو في أنفي، الجو معبأ بدخان سجائرك التي لم تشعلها.. وأشعلتني.

تكثر هداياك لعلك تربت على قلبي، ولكن فوق كل شيء تأتيني به أرى عينين تتوعداني.

أطمئن نفسي بأني لما ألقاها المرة القادمة سنصير صديقتين، سأحتضنها وأخبرها بأني لا أكرهها وأقرّ لها بأنها الأقوى وأتقبل الهزيمة، سأرضيها بأي شيء لتدعنا نكمل طريقنا بلا خوف، يمكنني مصادقة الأشباح.

في الشارع كل امرأة لا يبدو منها سوى عينين يشبهانها أظنها هي؛ أقدم لها اعتذارًا غير مبرر وأحاول حمل حقيبتها عنها في الطريق؛ ربما كانت هي فتسامحني.

تكثر رسائلك بأني صاحبة كل شيء، كل من حولنا يسخرون من الفوبيا التي أصابتني ويحاولون طمأنتي بألا وجود لأشباح بيني وبينك.

في المرة الأخيرة.. تناولت المهدئ وتجاهلت مرار شفتيك، تجاهلت بُعد عناقك، تجاهلت روحها التي تلبست كل شيء، وظلها المتأرجح في بقعة النور بيننا، لا أحب في كل مرة أن أكون مجنونة.. ولما انتزعت منك حضنا وحيدا خرجت وتركتك مع هاتفك، كنت تحدد لها ميعادا وتثني على جمال عينيها المؤطرتين.


الجمعة، 3 مايو 2013

انتبه من فضلك.. الكلام الجاي "لا مؤاخذة"


 المرة دي مش هكتب قصة من قصصي المنمّقة اللي بتستهلك وقت وتأملات وانتظار وحي والجو ده.. ولا هعرف أكتب فصحى جزلة زي ما اتعوّدت.. معلش.. مش عارفة أركز ف أساليب وصياغات وبتاع؛ اللي هقوله أهم، ع الأقل بالنسبالي..
نتفق الأول قبل ما تقرا.. أول حاجة: لو ناوي تكفّرني مثلا ولا تراجع احترامك لشخصي ف متكملش قراية؛ ممكن تعمل ده من دلوقتي بدل ما تفوّر دمك.
تاني حاجة: الموضوع غير قابل للمناقشة، دي مواقف ونتايجها، حاجة كدة زي مذكرات، فيه حد يكتب مذكراته ويستنى عليها نقد؟!
الأهم بقى من كل ده: لو أنت ناوي تعارض عشان غيّور وكلّك مروّة وشنتلة فخليك إيجابي بقى، خد بعضك وانزل مثلا المترو ونزّل الرجالة من عربية السيدات، فيه هناك حريم بتستباح ف جرايم تسد عين الشمس اللي بقت تقرف تشرق علينا.

جينا للحريم، موضوع الحلقة.. إلا قولي يا ريّس، انت ممكن حد يقولك احلق دقنك أحسن انت كدة أتراكتيف وهتفتن البنات؟ ده انت لو عرفت كدة هتربيها مخصوص، وطبعا هتبقى بريء؛ البنات هي اللي خفيفة..
وبما إن الأزمة عند الطرف الـ-لا مؤاخذة- مُثار فهو بمثابة المريض اللي طبيعي يدخل حجر صحي، مش الطبيعي إن احنا (اللي سُلام) نبطل نخرج عشان المرض انتشر.
نيجي بقى للحِجة الوحيدة اللي ماسكين فيها، إذا كان ديل حصاني بيعمل إثارة ولا مكياجي -لا مؤاخذة- بيهيّج، ممكن أديك وصفة تريحك وتحل بيها عن نافوخي.. فيه شارع شهاب وعباس العقاد وجامعة الدول وروكسي ولسكان الجيزة عندك الهرم وكايرو مول، هتلاقي هناك نسوان بالكوم، وسوقهم نايم ومش هياخدوا ف ايدك غلوة، هتاخد منهم أكتر م اللي نفسك فيه، مش مجرد خبطة كتف ولا مسكة صدر وتجري، ولو معندكش مكان هيوفرولك مُكنة كويسة.
بس تعالوا بقى يا بتوع الأخلاق خدوا -لا مؤاخذة- المفاجأة دي، النسوان دول محدش بيتحرش بيهم، عشان عينهم قوية واللي يقرب منهم هيلحّسوه الأسفلت..

من هنا بقى نحب ننوّه عن الآتي:
هذا الكلام (اللا مؤاخذة) تحريض رسمي صريح قبيح على طولة اللسان وكشف الوش، عشان اللي يتعرّضلك واجب عليكي تلحّسيه الأسفلت، آه واجب، عشان سكوتك بيجرأ الأوساخ وينشر المرض أكتر، وده ضد الواجب المجتمعي.
البرنس بقى اللي شايف البنت لازم تبقى كيوت ولسانها حلو، تعالى -لا مؤاخذة- أحكيلك حاجة حصلتلي أنا شخصيا..
أول ما اتعلمت أواجه المتحرشين وألم عليهم الناس مسكت واحد وشتمته، قلتله انت سافل ومحدش ربّاك، كيوت خالص أهو! عارف عمل ايه؟ اداني م المنقي -لا مؤاخذة- خيار، وزقني وقعني ف الأرض، وأما وقفتله ورديت عليه بلغته ولحسّته الأسفلت أنا كمان، فلفص من ايد الناس وجري نط ف اتوبيس، آه والله، هو نفسه الشخص اللي زقني عشان كنت كيوت جري من قدامي واستخبى وسط الزحمة.
لو حد بقى مصمم إن اللبس والخروج والاختلاط والكلام اللي محتاج كومبينيشن ده، هو الأزمة، فخد -لا مؤاخذة- عندك تلك المعلومة.. فيه تحرشات بتيجي ف التليفون، ناس بتجرب أرقام وأما بتلاقي صوت بنت بيستلمها، رد بقى قولي إيه اللي وداها هناك!

شوفي بقى يا ست الكل، عشان الكلام ده أصلا ليكي:
أول هام: البسي اللي تلاقي نفسك فيه، امشي وانتي جميلة، افرحي بنفسك واتباهي بجمالك وحيويتك واستمتعي بأنوثتك، اتجمّلي للشمس وللدنيا وللشغل ولنفسك، وبالنسبة لمشايخ الفضائية وموضة داعيات المترو، فأما تسمعيهم لغوشي على صوتهم بموزارت ولا زياد رحباني ولا منير؛ أصل الموضوع زي الألوان اللي بتحبيها، محدش له إنه يقولك اللون ده شبهة بلاش منه.
تاني هام: اتعلّمي الردود القبيحة، آه والله، دي بقت من ضرورات الحياة، لو عاوزة تخرجي وتشتغلي وتتفسحي اتعلمي السيلف ديفنس الخاص بتاعك، انشا الله ترددي الشتايم ف سرك وبعدين تكرريها بصوت عالي وانتي لوحدك، لغاية ما تستسهليها وتخليها ف قاموسك لوقت عوزة، ييجي بقى حد يتحك فيكي وانتي ماشية ويقولك نفسي أشوف **ك تقوليله ** أمك، والله هتنبهري بالريأكشن، لو ملحقتيش تقوليله شاوريله بالصباع اللي يعجبك.
تالت هام: لو كل اللي حواليكي من نوعية لوّامين الضحية متحكيش لحد، دول هيدوروا على أي غلطة يلبّسوهالك عشان يريحوا ضميرهم، اعتمدي على نفسك، محدش بيحس بالإهانة غيرك ومحدش هيفهم العلامة اللي اتعلّمت عليكي وانتهاك آدميتك مهما وصفتي وجعك.

مهم بقى تعرفي الآتي عشان متحبطيش، متستنيش مساعدة من حد ف الشارع؛ الشوارع اتملت تع**ص، لو حد ساعدك ف ده إنسان طبيعي من سلالة أوشكت ع الانقراض ربنا بعتهولك، محدش ساعد فمتخافيش، انتي مع الوقت هتبقي بت جدعة وهتبطلي تخافي وهتعرفي تاخدي حقك من بق الأسد، ومن بق ولاد مرات الاسد كمان.
آخر حاجة هأكد عليها: هتلاقي كتير مش عاجبهم تصرفاتك، هيشككوكي ف نفسك، هتبتدي تراجعي نفسك كتير وتقولي مش معقول كلهم غلط وأنا اللي صح، لأ معقول، هقولك المقولة الشهيرة "لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه"، هما كمان وهما حلوين وف سنك اتخزوقوا كتير وسكتوا عشان محدش يغلّطهم، هما عايزينك على دين آبائهم.. لذا فاثبتي، انتي صح، مهما صدّرولك عكس كدة، انتي المجني عليه، وصاحب الحق لازم تبقى عينه قوية. ومتنسيش.. ده مش حقك لوحدك، ده حقي أنا كمان، وأنا عاوزة حقي لو سمحتي.


ملحوظة: الموضوع ده مش هيعجب ناس كتير م اللي يهموني ويهمنّي رأيهم، بس أنا نبّهت ف الأول إن اللي هيزعل يروّح، كما إني رأيت طريق الحق فيه والحق أحق أن يُتّبع..
هذا والله أرفق..














الاثنين، 18 مارس 2013

إلى امرأة النور واليقين "غادة خليفة"


عرفت أن الله أحبني يوم أسقطكِ في طريقي إلى الفراغ، شيءٌ ما حثّني على المشي معكِ إلى بيتِك رغم صغري؛ كنت أصغر كثيرًا من أن أحتمل دمعتك، لم أكن أفهم وقتها لغة اللمسات التي خاطبتِني بها، لكني سمعتك للنهاية.

أعترف لكِ يا "غادة" أني أغار ذاك السيل من الفهم المغموس بالإحساس، الذي يتدفق منكِ فوق كل جرح أشكوكِ إياه.
طلبت من الله أن يجري على لساني كلمات بلون إحساسك، أنا على الطريق، لكني لا زلت أتكسّر أمام أوجاع الصغار وأستعيد ذكرياتي الموجعة أمامهم،  فلا أعرف أن أهديهم حيوات كالتي أعيشها كلما مسحتِ لي دمعة، لا أتقن غير الربت على أكتافهم.. لا أجيد نشر الفراشات مثلِك يا "غادة".

أعرف أن فهمك قد غزله الوجع، وأنا أخاف الوجع، وأجيد البكاء والشكوى، لا أحتمل نضج الألم داخل قلبي.
يوم أهديتِني مفتاح تجاربك لأصحح لكِ ما تكتبين لم أصدّق أني صرت المسؤولة عن صحة كتابتك؛ لست أهلاً لتصحيحك يا "غادة"؛ أنتِ في خيالي الطفلة التي تكبرني بألف عام وتصحح كل أخطاء الدنيا بكلمات صِدْقها ورقّتها يجلداني..
كيف أصححك وأنتِ التي يمكنها الرقص فوق شظايا الزجاج المتكسّر، وتحثني على رقص الهيلاهوب ولو داخل إطار السلك الشائك، والوحيدة التي فهمت جنوني بالمشي حافية رغم امتلاء قدميّ بالشقوق من رحلات سابقة دون حذاء، ورغم خوفي من شقوق جديدة لن يقوى قلبي على تجاوزها.. تغزل النور وتطمئنني بأن الله يلقي بالهدايا من نوافذ السجون.

صدّقتك اليوم وأنا أقرؤني في كلماتك.

دائمًا ما أُلبِس الناس غير ثيابهم وأشكو تعثرهم فيها، وحدكِ يا "غادة" قابلتها عارية وتركتها تختار ثوبها؛ خفت أن ألبسك ثوب أمي التي تكذِّب الأحلام، أو ثوب أختي التي غابت وتركته ولم تعُد ثانيةً، ولن ألبسك ثوب صديقتي الضيق، الثياب كلها أضيق منكِ يا "غادة"، وحدك أتيتِ شفافة بثوبك الخاص.. وحدك تُعلِّمني أين يكون النور، أنتِ المرأة التي أحب كذباتها الصغيرة وهي تقسم أن هذا الموت الذي أنغمس فيه سيُضحِكُنا غدًا ونحن نرتشف قهوتنا النسائية في كل الأمكنة.. تقولين هذا وأنتِ لا تدركين نهايةً لموتك.. لكنه اليقين.

ربما لسنا صديقتين بما يكفي لأنك يا "غادة" تفهمين أكثر مما أحتمل، أتذرع أنا بأني ذات طابع مهمل للصداقات، وأتذرع بعذابات العمل والوقت الخانق، لكنه الخوف يأخذني منك، أنا أخافك حين ترسمين أمامي خريطة كذبي على ذاتي وتواجهيني بي.
ولكني مؤمنة بأن الله يحبني يوم أظْلَم الدنيا وتركك وحدَكِ تبعثين النور، لأسير باتجاهك.

الاثنين، 11 مارس 2013

الساقطون في بقعة الزيت


منذ زمن.. في سنوات عمري الطازجة.. عندما كان أكبر همومي أن أعلِّق إسدال الصلاة على الشماعة دون أن أقف على أطراف أصابعي، كان لي أبٌ شاب، لم ينجبني، لم أحمل اسمه، بل جررنا معًا الاسم نفسه بعد اسمينا.
لم ينتبه يومًا لكونه أخًا أكبر؛ ترك الأمر لأولياء آخرين. كان يكفيني لبسه ثوب الرفيق؛ حضوره في حيّز يومياتي كان كافيًا للقاء مخاوف الدنيا بقلب قوي.

لما رويت له عن الولد الذي كان ينضح بي ويستسقي مني البسمات البكر، وكيف كان سقوطه مدويًا في بئر الجاز الخليجية، استحثني على إطلاق الدمعات لأنفض عني غبار القصة، فأقوى لأضع النقطة الأخيرة.. كان السند الوحيد في مواجهة شيب المشاعر.

وبعد ليالٍ ليست بالطويلة، جاء أخي يحكي عن أحلام لا تُطال بغير العملات الصعبة، وحيوات لامعة في القارة المجاورة، من الظلم أن نموت قبل أن نحياها.. حدثني عن عطور لا يذبل عبيرها وبنات ينبض الدم في وجوههن لسن كبنات شارعنا اللاتي أجهدهن السعي.. وذاك كله لا يتأتى بغير الدراهم!
ليلتها لوّن الحجرة ببقع السراب، وبسمة بلهاء كانت تبتلعه ببطء من أمام عيني..
وبعد أيام قلائل انزلق أخي في بقعة النفط نفسها.. هناك.. على حدود الأرض.

كان الاتفاق على سنتين من الاغتراب لجمع ثمن الأحلام، غاب سبع سنوات؛ كلما جمع ثمن حلم برق له حلم جديد.. سبع سنوات سفر كانت كفيلة لتأكل روحه.. حملت وحدي سقف الدنيا في انتظار عودة عمود البيت..
وحدي أتممت مشوار التلمذة وخرجت إلى رحلات العمل وتساقط الرفاق واختيار الرجال..
سبع سنوات كان وصلنا أثيريًا، حيث الضحكات يمثلها الضغط الثقيل على زر الـ"هـ" على لوحة المفاتيح. وفي إجازاته السنوية كان وقته أضيق من صنع البهجة، وروحه بدأت تتعثر في المشي جواري برداء الرفيق؛ عوّضني بماركات عالمية على الملابس، وعطور باهظة الثمن خاوية الذكرى لا تثير أي شغف.
لم يعد يعبأ بأحلام الحيوات الأخرى والبنات النابضات بالحياة..

سبع سنوات، عاد بعدها، حينما كان اختلاف الرأي قد أفسد كل قضايا الود..
عاد واستقر في نفس الحجرة المجاورة.. ولما حلّت الليلة الأولى ورحلت الأضواء لترتاح من صخب البشر، دققت له على الجدار دقة واحدة، لم ينتبه لها، ربما لم يعد يذكر لعبة الدق على الجدار. كانت دقة تعني "أنا لسة صاحية.. ما تيجي!"، دقتان "ماما جاية؛ خلّص التليفون"، ثلاث دقات أو أكثر "برخم عليك بس". لم يذكر اللعبة أو لم ينتبه لها، لا فرق.


لما هزأ بالفيلم الذي فوّر مشاعري وأسال دمعاتي، سألته إن كان لا يزال يتذكر ولد الطفولة الساقط في بئر الجاز. لم أكن شغوفة برواية الجديد، فقط أردت بعث رفقته من جديد؛ أخبرته أن الولد تزوج من إحدى المتلحفات بالسواد بعدما رفضت أنا أن أخبئ وجهي عن الشمس، فأجاب بأن حجم كحكة شعري الواضح من تحت الحجاب يثير خيال مرضى القلوب، وذاك حرام بالعقل والنقل.
كنت أعتقد في أن الإله أرفق مما تعلموه هناك في بقعة الزيت، كنت أعرف أن الأمر أبسط من كل ذاك الضجيج والسفسطة، فما ألِفَتْه قطتي واستكانت معه فهو حلال لا ينقص رضا الرب..
فالفيلم الذي يفوّر روحي حلال، وموزارت حلال، والأحمر حلال، الضحك رائع كما الكلام المقدس، وكتبي حلال، ومصادقة مارية جارتنا حلال.
فردَّ بأن القطة نَجَس وسؤرها نَجَس..

في رحلة البحث عن وطن.. رأيت أخي الأكبر يصلي الغائب على شهداء اللا شيء، متوضئًا بدم رفاقي، غير عابئ بنزيفنا.
أوجعني تذكر كم كنا وحيدتين أنا والساعة في الانتظار!
الساعة التي أنهكها عدُّ ثواني السنوات السبعة رفعتها من على الحائط، وعلّقت مكانها صورة قديمة لأخي في عمر اليفوع، ورسمت عليها خط حداد خفيّ لم يره غيري.. وخرجت أرحّب بالضيف الجديد الدائم.